ابن أبي مخرمة

277

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

قال بشر بن الوليد الكندي : قال لي القاضي أبو يوسف : دعاني الرشيد ليلا فراعني ذلك ، فدخلت عليه وعنده عيسى بن جعفر ، فسلمت ، فرد وقال : أظننا روعناك ، فقلت : إي واللّه وكذلك من خلفي ، فقال : اجلس ، فجلست حتى سكن روعي ، فقال : إن عند هذا جارية ، وامتنع من بيعها أو هبتها لي ، وزعم أن عليه يمينا بالعتاق ، وصدقة ما يملك ألا يبيعها ولا يهبها ، فهل في ذلك مخرج ؟ قلت : نعم يهب لك نصفها ، ويبيعك نصفها ، فيكون لم يهبها ولم يبعها ، قال عيسى : أفيجوز ذلك ؟ قلت : نعم ، قال : فأشهدك أني قد وهبت له نصفها ، وبعته نصفها الباقي بمائة ألف دينار ، ثم أحضرت الجارية والمال ، فقال الرشيد : يا يعقوب ؛ بقيت واحدة هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ ، ولا أقدر أصبر عنها ليلتي هذه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ تعتقها وتزوّجها ؛ فإن الحرة لا تستبرأ ، قال : قد أعتقتها ، فمن يزوجنيها ؟ قلت : أنا ، فدعا بمسرور وحسين ، فخطبت ثم زوجته إياها على عشرين ألف دينار ، ودعا بالمال فدفعه إليها ، ثم قال : انصرف يا يعقوب ، ثم قال لمسرور : احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم ، وكذا وكذا من الثياب ، فحمل ذلك معي ، قال بشر بن الوليد : فالتفت إليّ أبو يوسف وقال : هل رأيت بأسا فيما فعلت ؟ قلت : لا ، فأعطاني عشر المال ، فشكرته ودعوت له ، وذهبت لأقوم . . فإذا بعجوز دخلت فقالت : يا أبا يوسف ؛ إن بنتك تقرئك السلام وتقول : واللّه ؛ ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي عرفته ، وقد حملت إليك النصف منه ، وخلفت الباقي لما أحتاج إليه ، فقال : رديه ، لا أقبله ، أخرجتها من الرق ، وزوجتها بأمير المؤمنين ، وترضى لي بهذا ؟ قال بشر : فلم نزل نتلطف به أنا وعمومتي حتى قبلها ، وأمر لي منها بألف دينار . قال يحيى بن معين : كنت عند أبي يوسف القاضي وعنده جماعة من أصحاب الحديث وغيرهم ، فوافته هدية أم جعفر احتوت على تخوت دبيقي ، وشرب ، وطيب وغير ذلك ، فذاكرني رجل حديث : « من أتته هدية وعنده قوم جلوس . . فهم شركاؤه فيها » « 1 » فسمعها أبو يوسف فقال : أبي تعرّض ؟ إنما قاله صلّى اللّه عليه وسلم والهدايا يومئذ الأقط والتمر والزبيب ، ولم تكن الهدايا ما ترون ، يا غلام ؛ أشله إلى الخزائن . قال يحيى بن معين : كان القاضي أبو يوسف يصلي بعد ما ولي القضاء كل يوم مائتي ركعة .

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 3 / 93 ) .